فصل: تفسير الآيات (8- 10):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.أدني الأرض في العلوم الحديثة:

ثبت علميا بقياسات عديدة أن أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا هو غور البحرالميت، ويقع البحرالميت في أكثر أجزاء الغورانخفاضا، حيث يصل مستوي منسوب سطحه إلي حوالي أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر، ويصل منسوب قاعه في أعمق أجزائه إلي قرابة الثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر، وهو بحيرة داخلية بمعني أن قاعها يعتبر في الحقيقةجزءا من اليابسة. وغور البحرالميت هو جزء من خسف أرضي عظيم يمتد من منطقة البحيرات في شرقي إفريقيا إلي بحيرة طبريا، فالحدود الجنوبية لتركيا، مرورا بالبحرالأحمر، وخليج العقبة، ويرتبط بالخسف العميق في قاع كل من المحيط الهندي، وبحر العرب وخليج عدن، ويبلغ طول أغوار وادي عربة- البحرالميت- الأردن حوالي الستمائة كيلومتر، ممتدة من خليج العقبة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال، ويتراوح عرضها بين العشرة والعشرين كيلومترا.
ويعتبر منسوب سطح الأرض فيها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا حيث يصل منسوب سطح الماء في البحرالميت إلي 402 مترا تحت المستوي المتوسط لمنسوب المياه في البحرين المجاورين: الأحمر والأبيض المتوسط، وهو أخفض منسوب أرضي علي سطح اليابسة كما يتضح من الأرقام التالية: منسوب سطح الأرض في وادي عربة =355- 400 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب أعمق نقاط قاع البحرالميت =794 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الماء في البحرالميت =402 تحت مستوي سطح البحر.
مستوي سطح الأرض في غور الأردن =212- 400 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الماء في بحيرة طبريا =209 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب قاع بحيرة طبريا =252 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض القطارة في شمال صحراء مصرالغربية =133 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع وادي الموت: كاليفورنيا =86 م تحت مستوي سطح البحر.
منسوب سطح الأرض في قاع منخفض الفيوم: مصر =45 م تحت مستوي سطح البحر.
ويتراوح عمق الماء في الحوض الجنوبي من البحر الميت بين الستة والعشرة أمتار، وهو بذلك في طريقه إلي الجفاف، ويعتقد انه كان جافا الي عهد غير بعيد من تاريخه، وكان عامرا بالسكان، وأن منطقة الأغوار كلها من وادي عربة في الجنوب إلي بحيرة طبريا في الشمال كانت كذلك عامرة بالسكان منذ القدم حيث عرف البحر الميت في الكتابات التاريخية القديمة، ووصف بأسماء عديدة من مثل بحر سدوم بحيرة لوط بحيرة زغر، البحر النتن، بحر عربة، بحر الأسفلت والبحر الميت، وذلك لأن المنطقة اشتهرت بخصوبة تربتها، ووفرة مياهها فعمرتها القبائل العربية منذ القدم، واندفعت اليها من كل من العراق والجزيرة العربية وبلاد الشام ومنهم قوم لوط عليه السلام الذين عمروا خمس مدن في أرض الحوض الجنوبي من البحر الميت هي: سدوم، وعمورة، وأدمة، وصوبييم، وزغر، وقد ازدهرت فيها الحياة إلي أواخر القرن العشرين قبل الميلاد ودمرت بالكامل في عقاب إلهي أنزل بها وجاء خبر عقابها في القرآن الكريم بقول الحق تبارك وتعالى: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود} [هود: 82].
والأرض في حوض البحر الميت- بصفة عامة- وفي الجزء الجنوبي منه بصفة خاصة والتي تعرف باسم الأرض المقلوبة تتميز بالحرارة الشديدة، وبتفجر كل من العيون المائية، والأبخرة الكبريتية الحارة فيها، وبتناثر كتل الأسفلت التي كثيرا ما كانت تطفو علي سطح مياه البحرالميت إلي عهد غير بعيد. وقري قوم لوط التي كانت تشغل أرض الحوض الجنوبي من البحرالميت، والتي دمرت بالكامل بأمر من ربنا تبارك وتعالى لا علاقة لها بالحركات الأرضية التي شكلت تلك الأغوار من قبل حوالي 25 مليون سنة مضت، ولكن بعد تدميرها بالعقاب الالهي دخلت المنطقة برحمة من الله تعالى في دورة مطيرة غسلت مياهها ذنوب الآثمين من قوم لوط، وغمرت منطقة قراهم لتحولها إلي الحوض الجنوبي من البحرالميت، والذي يتجه اليوم إلي الجفاف مرة أخري ليصير أرضا يابسة.
وخلاصة القول إن منطقة أغوار وادي عربة- البحر الميت- الأردن تحوي اخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق، والمنطقة كانت محتلة من قبل الروم البيزنطيين في عصر البعثة النبوية الخاتمة، وكانت هذه الامبراطورية الرومانية يقابلها ويحدها من الشرق الامبراطورية الفارسية الساسانية، وكان الصراع بين هاتين الامبراطوريتين الكبيرتين في هذا الزمن علي أشده، ولابد أن كثيرا من معاركهما الحاسمة قد وقعت في أرض الأغوار، وهي أخفض أجزاء اليابسة علي الاطلاق، ووصف القرآن الكريم لأرض تلك المعركة الفاصلة التي تغلب فيها الفرس علي الروم- في أول الأمر بأدني الأرض- وصف معجز للغاية لأن أحدا من الناس لم يكن يدرك تلك الحقيقة في زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة من بعده، وورودها بهذا الوضوح في مطلع سورة الروم يضيف بعدا آخر الي الاعجاز التنبؤي في الآيات الأربع التي استهلت بها تلك السورة المباركة ألا وهو الاعجاز العلمي فبالاضافة إلي ما جاء بتلك الايات من اعجاز تنبؤي شمل الأخبار بالغيب، وحدد لوقوعه بضع سنين، فوقع كما وصفته وكما حددت له زمنه تلك الآيات فكانت من دلائل النبوة، فان وصف ارض المعركة بالتعبير القرآني أدني الأرض يضيف إعجازا علميا جديدا، يؤكد أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن النبي الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي، ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض.
وكما كانت هذه الايات الكريمة من دلائل النبوة في زمن الوحي لإخبارها بالغيب فيتحقق، فهي لا تزال من دلائل النبوة في زماننا بالتأكيد علي أن المعركة الفاصلة قد تمت في اخفض اجزاء اليابسة علي الاطلاق، وهي أغوار البحرالميت وما حولها من أغوار ويأتي العلم التجريبي ليؤكد تلك الحقيقة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وعلي كتاب التاريخ الذين تأرجحوا في وضع المعركة الفاصلة في هزيمة الروم علي أرض القسطنطينية، أو علي الأرض بين مدينتي أذرعات وبصري من أرض الشام، أو علي أرض أنطاكية، أو علي أرض دمشق، أو أرض بيت المقدس، أو أرض مصر الاسكندرية أن يعيدوا النظر في استنتاجاتهم، لأن القرآن الكريم يقرر أن هزيمة الروم علي أيدي الفرس كانت علي الأرض الواقعة بين شرقي الأردن وفلسطين وهي أغوار وادي عربة- البحرالميت- الأردن التي أثبت العلم انها أكثر اجزاء اليابسة انخفاضا، والتي ينطبق عليها الوصف القرآني بأدني الارض انطباقا تاما ودقيقا.
وعلي الذين قالوا إن معني أدني الأرض هو أقرب الأرض من بلاد فارس، أو من بلاد العرب، أو هي أطراف بلاد الشام، أو بلاد الشام، أو انطاكية، أو دمشق، أوبيت المقدس أو غيرها أن يعيدوا النظر في ذلك، لأن حدود الامبراطوريتين كانت متلاحمة مع بعضهما بعضا من جهة ومع بلاد العرب من جهة أخري، وعليه فلا يعقل أن يكون المقصود بتعبير أدني الأرض في هذه الآيات الكريمة هو القرب من بلاد فارس أو بلاد العرب، فقط، وان كانت ارض الاغوار هي اقرب الأرض الي بلاد العرب، بل هي في الحقيقة جزء من ارض شبه الجزيرة العربية. فسبحان الذي انزل هذا التعبير المعجز أدني الأرض ليحدد أرض المعركة ثم ليثبت العلم التجريبي بعد أكثر من اثني عشر قرنا أن الأغوار الفاصلة بين أرض فلسطين المباركة والأردن هي أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا ومن هنا كانت جديرة بالوصف القرآني أدني الأرض، وجديرة بأن تكون أرض المعركة التي هزم فيها الروم، وذلك لقول الحق عز من قائل: {ألم غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} (الروم: 1- 5). اهـ.

.تفسير الآيات (8- 10):

قوله تعالى: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أَنْفُسهمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إلَّا بالْحَقّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإنَّ كَثيرًا منَ النَّاس بلقَاء رَبّهمْ لَكَافرُونَ (8) أَوَلَمْ يَسيرُوا في الْأَرْض فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الَّذينَ منْ قَبْلهمْ كَانُوا أَشَدَّ منْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ ممَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالْبَيّنَات فَمَا كَانَ اللَّهُ ليَظْلمَهُمْ وَلَكنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلمُونَ (9) ثُمَّ كَانَ عَاقبَةَ الَّذينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بآيَات اللَّه وَكَانُوا بهَا يَسْتَهْزئُونَ (10)}.

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان التقدير: أفلم يتدبروا القرآن وما كشف لهم عنه من الحكم والأمور التي وعد الله بها على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فيه أو في السنة، فكانت على حسب ما وعد، أو لم يتأملوا مصنوعات الله عمومًا فتدلهم عقولهم منها على أنه لا يصلح للإلهية إلا من كان حكيمًا، ولا يكون حكيمًا إلا من صدق في وعده، وأنه لا تتم الحكمة إلا بإيجاد الآخرة، عطف عليه قوله منكرًا عليهم موبخًا لهم: {أولم يتفكروا} أي يجتهدوا في إعمال الفكر، ثم ذكر آلة الفكر زيادة في تصوير حال المتفكرين والتذكير بهيئة المعتبرين فقال: {في أنفسهم} ويجوز أن تكون هي المتفكر فيه فيكون المعنى: يتفكروا في أحوالها خصوصًا فيعلموا أن من كان منهم قادرًا كاملًا لا يخلف وعده وهو إنسان ناقص، فكيف بالإله الحق، ويعلموا أن الذي ساوى بينهم في الإيجاد من العدم وطورهم في أطوار الصور، وفاوت بينهم في القوى والقدر، وبين آجالهم في الطول والقصر، وسلط بعضهم على بعض بأنواع الضرر، وأمات أكثرهم مظلومًا قبل القصاص والظفر، لابد في حكمته البالغة من جمعهم للعدل بينهم في جزاء من وفى أو غدر، أو شكر أو كفر، ثم ذكر نتيجة ذلك وعلله بقوله في أسلوب التأكيد لأجل إنكارهم، وعلى التقدير الأول يكون هذا هو المتفكر فيه {ما خلق الله} أي بعز جلاله، وعلوه في كماله {السماوات والأرض} على ما هما عليه من النظام المحكم، والقانون المتقن، وأفرد الأرض لعدم دليل حسي أو عقلي يدلهم على تعددها بخلاف السماء {وما بينهما} من المعاني التي بها كمال منافعهما {إلا} خلقًا متلبسًا {بالحق} أي الأمر الثابت الذي يطابقه الواقع، فإذا ذكر البعث الذي هو مبدأه الآخرة التي هذا أسلوبها وجد الواقع في تصوير النطف ونفخ الروح وتمييز الصالح منها للتصوير من الفاسد يطابق ذلك، وإذا تدبر النبات بعد أن كان هشيمًا قد نزل عليه الماء فزها واهتز وربا وجده مطابقًا للأمر البعث، وإذا ذكر القدرة فرأى اختلاف الليل والنهار، وسير الكواكب الصغار والكبار، وإمطار الأمطار، وإجراء الأنهار، ونحو ذلك من الأسرار، رآه مطابقًا لكل ما يخطر في باله من الأقدار، وإذا خطر له العلم، فتبصر في جري هذه الأمور وغيرها على منهاج مستقيم، ونظام واضح قويم، وسير متقن حكيم، علم أن ذلك في غاية المطابقة للخبر بالعلم الشامل والقدرة التامة على البعث وغيره، أو إلا بالأمر الثابت والقضاء النافذ الذي لا يتخلف عنه المراد، ولا يستعصي عليه حيوان ولا جماد، وخلقكم من هذا الخلق الكبير الذي قام بأمره من بعض ترابه.
ثم جعلكم من سلالة من ماء مهين، فالقدرة التي خلق بها ذلك كله وابتدأكم ثم يبيدكم، بها بعينها يحييكم ويعيدكم، ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، أو إلا بسبب إحقاق الحق وإبطال الباطل، فلابد من تصديق وعده بإدالة الروم لأخذ حقهم من الفرس، ولابد من أن يقيمكم بعد أن ينيمكم ويثبت كل حق رأيتموه قد أبطل، ويبطل كل باطل رأيتموه قد أعمل، لأنه أحكم الحاكمين، فلو أقر على إماتة حق أو إحياء باطل لما كان كذلك.
ولما كان عندهم أن هذا الوجود حياة وموت لا إلى نفاد، قال: {وأجل} لابد أن ينتهي إليه {مسمى} أي في العلم من الأزل، وذلك الأجل هو وقت قيام الساعة، وذلك أنه كما جعل لهم آجالًا لأصلهم وفرعهم لم يشذ عنها أحد منهم فكذلك لابد من أجل مسمى لما خلقوا منه، فإذا جاء ذلك الأجل انحل هذا النظام، واختل هذا الإحكام، وزالت هذه الأحكام، فتساقطت هذه الأجرام، وصارت إلى ما كانت عليه من الإعدام، وإلا كان الخلق عبثًا يتعالى عنه الملك العلام.
ولما كانوا ينكرون أنهم على كفر، أكد قوله: {وإن كثيرًا من الناس} مع ذلك على وضوحه {بلقاء ربهم} الذي ملأهم إحسانًا برجوعهم في الآخرة إلى العرض عليه للثواب والعقاب {لكافرون} أي لساترون ما في عقولهم من دلائل وحدانيته وحجج قدرته وحكمته سترًا عظيمًا، كأنه غريزة لهم، فهم لذلك يكذبون بما وعدكم سبحانه من إدالة الروم على الفرس، فلا يهولنكم ذلك لأنهم قد كذبوا بما هو أكبر منه، وهو الآخرة على ما لها من الدلائل التي تفوت الحصر، وإذا راجعت ما تقدم في آية الأنعام {وهو الذي خلقكم من طين} [آية: 2] ازددت في هذا بصيرة.
ولما أقام عليهم الدليل، أتبعه التهديد والتهويل، فقال عاطفًا على {أولم يتفكروا} {أولم يسيروا} ولما أحاطت آثار المكذبين بمكة المشرفة شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا، بديار ثمود وقوم فرعون وعاد وسبأ وقوم ولوط، عرف وأطلق فقال: {في الأرض} أي سير اعتبار وتأمل وادكار من أي جهة أرادوا، وفيه إشارة إلى أنهم واقفون عند النظر في ظاهر الملك بأبصارهم، قاصرون عن الاعتبار في باطن الملكوت بأفكارهم، وفيه هزٌّ لهم إلى امتطاء هذه الدرجة العلية، بهذه العبارة الجلية {فينظروا}.
ولما كان ما حل بالماضين أمرًا عظيمًا، نبه على عظمه بأنه أهل لأن يسأل عنه فقال: {كيف كان} أي كونًا لا قدرة على الانفكاك عنه، وتذكير العمل يشير إلى عظم الأمر {عاقبة} أي آخر أمر {الذين} ولا كان حال من قرب من زمان الإنسان أوعظ له، أثبت الجار فقال: {من قبلهم} في إهلاك العاصي وإنجاء الطائع، ولما كان علم العاقبة مشروطًا بمعرفة البادئة قال مستأنفًا: {كانوا} أي كونًا هو في غاية المكنة.
ولما كان السياق للظهور والغلبة التي إنما مدارها على الشدة المقتضية للثبات، لا الكثرة العارية عنها، أعرض عنها وقال مسقطًا ضمير الفصل لأن هذا السياق لا يظهر فيه ادعاء العرب لعلوهم على فارس ولا الروم: {أشدَّ منهم} أي من العرب {قوة} أي في أبدانهم وعقولهم، ولما كان التقدير: فنقبوا الجبال، وعلوا من متقن الصنائع التي ترونها من الأعمال ما لم يدانيه أحد من الأجيال، عطف عليه قوله: {وأثاروا} بالحرث وغيره {الأرض} فأخرجوا ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والزروع وغير ذلك من المعادن {وعمروها} أي أولئك السالفون {أكثر مما عمروها} أي هؤلاء الذين أرسلت إليهم، بل ليس لهم من إثارة الأرض وعمارتها كبير أمر، فإن بلاد العرب إنما هي جبال سود وفيافي غبر، فما هو إلا تهكم بهم، وبيان لضعف حالهم في دنياهم التي لا فخر لهم بغيرها.
ولما كانوا قد وقفوا مثل هؤلاء مع السبب الأدنى، ولم يرتقوا بعقولهم إلى المطلوب الأعلى، أخبر أنه أرسل إليهم الدعاة ينبهونهم من رقدتهم، وينقذونهم من غفلتهم، فكان التقدير: فضلوا عن المنهج الواضح، وعموا عن السبيل الرحب، وزاغوا عن طريق الرب، فأرسلنا إليهم الرسل، فعطف عليه قوله مشيرًا بتأنيث الفعل إلى ضعف عقولهم بتكذيبهم الرسل كما تقدم إيضاحه عند {تلك الرسل} [البقرة: 253]: {وجاءتهم رسلهم} أي عنا {بالبينات} من المعجزات مثل ما أتاكم به رسولنا من وعودنا السابقة، وأمورنا الخارقة، كأمر الإسراء وما أظهر فيه من الغرائب كالإخبار بأن العير تقدم في يوم كذا يقدمها جمل صفته كذا وغرائره كذا، فظهر كذلك، وما آمنتم كما لم يؤمن من كان أشد منكم قوة {فما} أي بسبب أنه ما {كان الله} على ما له من أوصاف الكمال مريدًا {ليظلمهم} بأن يفعل معهم فعل من تعدونه أنتم ظالمًا بأن يهلكهم في الدنيا ثم يقتص منهم في القيامة قبل إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل بالبينات {ولكن كانوا} بغاية جهدهم {أنفسهم} أي خاصة {يظلمون} أي يجددون الظلم لها بإيقاع الضر موقع جلب النفع، لأنهم لا يعتبرون بعقولهم التي ركبناها فيهم ليستضيؤا بها فيعلموا الحق من الباطل، ولا يقبلون من الهداة إذا كشفوا لهم ما عليها من الغطاء، ولا يرجعون عن الغي إذا اضطروهم بالآيات الباهرات، بل ينتقلون من الغفلة إلى العناد.
ولما كان انتكاسهم بعد هذا الأسباب المسعدة بعيدًا، أشار إليه بأداة التراخي، أو هي إشارة إلى تطاول دعار الرسل لهم واحتمالهم إياهم فقال: {ثم كان} أي كونًا تعذر الانفكاك عنه، وهو في غاية الهول كما اشار إليه تذكير الفعل {عاقبة} أي آخر أمر {الذين أساءوا} أظهر موضع الإضمار تعميمًا ودلالة على السبب {السوأَى} أي الحالة التي هي أسوأ ما يكون، وهي خسارة الأنفس بالدمار في الدنيا والخلود في العذاب في الأخرى، جزاء لهم بجنس عملهم، فنهم كما أساؤوا الرسل ساءهم الملك؛ ثم ذكر العلة بقوله: {أن كذبوا} أي لأجل تكذيبهم الرسل، مستهينين {بآيات الله} أي الدلالات المنسوبة إلى الملك الأعلى الذي له الكمال كله الدالة عليه على عظمها بعظمه {وكانوا} أي كونًا كأنه جبلة لهم {بها} مع كونها أبعد شيء عن الهزء {يستهزءون} أي يستمرون على ذلك بتجديده في كل حين مع تعظيمه حتى كان استهزاؤهم بغيرها كأن عدم، كما أنكم أنتم تكذبون بما وقع من الوعد في أمر الروم وتستهزئون به فاحذروا أن يحل بكم ما حل بالأولين، ثم تردون إليه سبحانه فيعذبكم العذاب الأكبر، ويجوز أن يكون هذا بدلًا من {السُّوأَى} أو بيانًا لها بمعنى أنهم لما أساؤوا زادتهم إساءتهم عماوة حتى ارتكسوا في العمى فوصلوا إلى التكذيب والاستهزاء الذي هو أقبح الحالات، عكس ما يجازي به المؤمن من أنه يزداد بإيمانه هدى. اهـ.